القلب داءه ودواءه – الدكتور ماهر الشلال

القلب داءه ودواءه – الدكتور ماهر الشلال
8 يوليو 2015 09:58

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين وأفضل الصلاة والتسليم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

لقد وردت كلمة : القلب وقلوبهم والقلوب ، في القرآن الكريم <130> مرة على معاني مختلفة، ولكن بالمجمل إن القرآن لا يقصد بالقلب تلك العضلة الصغيرة ، وإنما مقصده منه مكان التعقل والتفكر لدى الإنسان والأمثلة على ذلك كما أسلفنا كثيرة نذكر منها :

* ففي الحديث عن استقرار الإيمان ، وأن الإيمان الذي لاتزعزعه الجبال لامكان لوجوده الابالقلب ، تحدث الله لنا على لسان إبراهيم حين قال {وإذ قال إبراهيم رب ارني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } البقرة 260.

وقوله تعالى { ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون} الحديد 16.

* ومن اجل ترسيخ رقابة الضمير وخاصة عندما يتعلق الأمر بالحقوق المالية للآخرين وان المساهمة بأكل هذه الحقوق إثم كبير ، قال تعالى {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه أثم قلبه والله بما تعملون عليم} البقرة 283 .

*وعندما يتعلق الأمر بالدعوة الى الله وكيفية عرض الدين والصيغة الناجحة لجذب الناس لهذا الدين ، قال تعالى{ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لنفضوا من حولك }  آل عمران 159.

وقوله تعالى{ وان يريدوا أن يخدعوك فأن حسبك الله هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم ولو أنفقت ما في الأرض ماألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} الأنفال 62،63 .

* وفي ذكر مواصفات الصديق الذي يجب على المؤمن البحث عنه وعند العثور عليه التمسك به ، قال تعالى {واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولاتعدوا عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} الكهف 28.

وقوله تعالى {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فَعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريبا} الفتح 18.

*وفي مجال التفريق بين الجنس والصفة الملازمة لرسالة نجد القرآن يذكر الرجال أصحاب الرسالات بأنهم هم أهل القلوب الواعية لمعنى الحياة والآخرة ، قال تعالى{ رجال لاتلهيهم تجارة ولابيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوماً تتقلب فيه القلوب والأبصار}    النور 37.

* وللتأكيد بأن بناء القلب السليم مرتبط ارتباطاً وثيقاً بعمق الإيمان وترك كل المشغلات عن الله ولو كانت الأهل والخلان ، قال تعالى{ يوم لاينفع مال ولابنون إلا من أتى الله بقلب سليم } الشعراء 88 .

وقوله تعالى {نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعوا من دونه إلهاً لقد قلنا إذا شططا} الكهف 14 .

*ومن أجل إرساء أسمى معاني العفاف الاجتماعي وضبط علاقة الرجل بالمرأة وفق المنهج السليم لتلك العلاقة ، قال تعالى{ يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولاً معروفا} الأحزاب 32 .

* ولترسيخ معنى الضلال والهدى وأن هذه القضية كاملة تتعلق بقبول الله للعبد وتوفيقه له ، والتركيز على أن الإيمان ليس لقلقة لسان بل هو طهارة قلب وأداء عبادة وسلامة عقيدة ، قال تعالى{ أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه بعد الله أفلا تذكرون} الجاثية 23 .

وقوله تعالى{ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وَجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون } الأنفال 2 .

وقوله تعالى{ أما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلي رجسهم وماتوا وهم كافرون } التوبة 125.

وقوله تعالى{ أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين} الزمر 22.

وقوله تعالى{ أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يُخرج الله أضغانهم ولو نشاء لأرايناكهم فلعرفتهم بسيماهم ولتعرفنهم في لحن القول والله يعلم أعمالكم } محمد 30 .

* إن الجنة مطمح كل مؤمن ولكن القرآن يبين لنا أن أحد أهم شروط دخولها سلامة القلب ، قال تعالى{ وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب } ق  33 .

وقوله تعالى{ لاتجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يُوادون من حَاد الله ورسوله ولو كانوا آبائهم أو أبنائهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ….} المجادلة 22.

* التفكر في آيات الآفاق والنفس وسنن الله في الأمم يحتاج الى صفاء ذهن وسلامة قلب وقوة عقل لاستخلاص عبرةٍ ، قال تعالى{ أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو أذان يسمعون بها فإنها لاتعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} الحج 46.

القلب في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم :

 * في صحيح الإمام البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :[ ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب ].

*وعند الإمام البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :[إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد إذا أصابه الماء، قيل يا رسول الله وما جلاؤها ؟؟؟؟ قال: كثرة ذكر الموت وتلاوة القرآن ].

* وفيما أخرجه الإمام ابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول : يامقلب القلوب ثبت قلبي على دينك ، فقلت يا رسول الله أمنا بك وبما جئت فهل تخاف علينا ، قال :نعم إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء ].

إذاً بعد عرض كل ما سبق ورأينا أن القلب هو مناط الصلة بلله والانقطاع عن سواه ، بل وهو مناط قَبول رفض الأعمال ، فلا بد لنا من التعرف على مكونات الإنسان وكل مكون بوعائه وغذاءه وذلك مما يساعد على إصلاح وصلاح هذه المكونات .

يتكون الإنسان من : جسد وعقل وقلب ونفس وروح .

فالجسد : هو وعاء جامع لكل المكونات اللاحقة ، وغذائه : الرياضة والعمل .

والعقل : وعائه : الفهم والفكر ، وغذائه : القراءة والتدبر .

والقلب : وعائه : الإدراك والتعقل، وغذائه : الحب وذكر الله .

والنفس : وعائها : الإرادة(تقوى أو فجور) ، وغذائها : المجاهدة والتقوى .

والروح : وعائها : الصلة بالله ، وغذائها : التعلق بالله والانقطاع عن سواه .

* جاء رجل الى سفيان الثوري يشكو له بعده عن الله فقال له ياإمام : صِف لي دواءً لاأسأل عنه أحداً غيرك فقال له :<< فعليك بعروق الإخلاص وورق الصبر وعصير التواضع ، ضع ذلك كله في إناء التقوى واسكب عليه من ماء الخشية وأوقد عليه نار الحزن وصفه بمصفاة المراقبة وتناوله بكوب الصدق واشربه من كأس الاستغفار وتمضمض بالورع وأبعد نفسك عن الحرص والطمع ، تشفى بإذن ربك الواحد الأحد .>>.

*يقول ابن القيم رحمه الله: << حال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيماً وعذاباً وسجناً وانطلاقاً ، فإذا أردت أن تعرف حال قبرك قبل موتك ، فانظر إلى حال قلبك في صدرك .

وفي الختام لا يسعنا إلا أن ندعو فنقول: اللهم احيي قلوبنا بذكرك وارزقنا لذة مناجاتك وشكرك والنظر الى وجهك الشريف ، آمين آمين آمين .

                    وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين